الغوص في بحر علاقة صحة الفم والأسنان بصحة الجسم
استكشاف العلاقة بين صحة الفم وصحة الدماغ
في السنوات الأخيرة، أصبح هناك تركيز كبير من الباحثين في مجال الأعصاب على علاقة الفم والدماغ، وهناك العديد من الدراسات أكدت أن هناك علاقة وطيدة بين صحة الفم وصحة الدماغ، وأن الفقر في صحة الفم يؤثر بشكل كبير، ويكون مسبباً في كثير من أمراض الدماغ.
في عام 2016، نشرت مجلة "Care and Cure" الصادرة عن جمعية الزهايمر الأمريكية، في عددها الصيفي (Summer Edition)، أن البالغين المصابين بمرض الزهايمر في مراحله المبكرة يعانون من تدهور أسرع بالذاكرة والقدرة على التفكير إذا كانوا يعانون من أمراض اللثة. وقد قيّم الباحثون الأشخاص المصابين بمرض الزهايمر من خفيف إلى متوسط، من حيث القدرة على التذكر، ومستويات الالتهاب، وصحة الأسنان، ثم أعادوا التقييم بعد ستة أشهر.
خلال فترة المتابعة التي استمرت ستة أشهر، تراجعت القدرة على التذكر لدى الأشخاص المصابين بأمراض اللثة بمعدل أسرع بست مرات من أولئك غير المصابين بها. وخلص الباحثون إلى أن أمراض اللثة مرتبطة بزيادة التدهور المعرفي لدى مرضى الزهايمر.
مؤخراً، في دراسة سريرية مشتركة بين فرع طب الأسنان في جامعة NYU وكلية الطب في جامعة Weill Cornell Medicine، نُشرت نتائجها في مجلة ألزهايمر والخرف: التشخيص والتقييم ومراقبة الأمراض (Alzheimer’s & Dementia: Diagnosis, Assessment & Disease Monitoring)، وتضيف هذه النتائج إلى الأدلة المتزايدة حول وجود صلة بين أمراض اللثة ومرض الزهايمر. وذكر بالمقالة أن المميز في مرض الزهايمر هو بروتينان؛ الأول هو "Amyloid Beta" الذي يتكتل معاً لتشكيل لويحات ويُعتقد أنه أول بروتين يترسب في الدماغ مع تطور المرض، والبروتين الثاني هو بروتين "Tau" الذي يتراكم داخل الخلايا العصبية ويشكل تشابكات بها.
وتدعم الدراسة الحالية الفهم القائل بأن أمراض اللثة تعيق عملية تصريف "الأميلويد" من الدماغ، مما يؤدي إلى ترسبه على شكل لويحات دماغية.
ما هي أمراض اللثة؟
بحسب وزارة الصحة التركية (T.C. Sağlık Bakanlığı)، فإن أمراض اللثة هي أمراض التهابية تصيب الأنسجة المحيطة بالأسنان، وتبدأ من التهاب بسيط في اللثة السطحية وصولاً إلى تدمير الأربطة والعظام الداعمة للأسنان في مراحلها المتقدمة. المسبب الرئيسي هو بتجمع البكتيريا في مكان مما يشكل "اللويحة الجرثومية"، وهي طبقة لزجة وشفافة تتراكم باستمرار على الأسنان، إذا لم تُزل تتحول إلى "جير" وتؤدي للالتهاب.
تُصنف الوزارة الالتهاب بأنه من الأمراض الصامتة في الغالب، حيث لا يشعر المريض بألم شديد في البداية، مما يؤدي لتأخر التشخيص حتى مراحل متقدمة. تعتبر الوزارة أن نزيف اللثة هو أهم مؤشر وبرهان أولي على وجود مرض، حتى لو لم يوجد ألم. وفي النهاية تشدد الوزارة في تعريفاتها الحديثة على أن أمراض اللثة ليست مجرد مشكلة موضعية، بل هي حالة تؤثر على الصحة العامة للجسم.
ويجب علينا ذكر أن الدماغ واللثة يشتركان بالأوعية الدموية، وينتج عن هذا وجود اتصالات بين الدماغ واللثة. وأحد مسببي هذه الجريمة للأسنان هي بكتيريا تدعى Porphyromonas gingivalis. في الحالة الطبيعية، يحمي الدماغ غشاء شديد الدقة يسمى "الحاجز الدموي الدماغي"، وظيفته منع البكتيريا والسموم من الدخول، ولكن عندما تعاني من التهاب لثة مزمن، ومع ضعف اللثة، فإنه يتشكل مثل منفذ في هذا الحاجز لتتسلل منه البكتيريا. وبالفعل هذا ما يحدث؛ تتسلل بكتيريا P. gingivalis التي تمتلك قدرة فريدة على إفراز إنزيمات تضعف الروابط في هذا الحاجز، مما يفتح "ثغرات" تسمح لها وللسموم بالعبور من الدورة الدموية إلى نسيج الدماغ الحساس.
مرت البكتيريا من الأوعية الدموية، وكما ذكرنا الاتصال بالأوعية الموجود بين الدماغ واللثة، فإن البكتيريا تتركز في الدماغ وتفرز هذه البكتيريا سموماً، وأحد هذه السموم تدعى Gingipains. ماذا يفعل هذا السم بالجسم؟
1. كخطة دفاعية فاشلة من الدماغ: يقوم بفرز كميات كبيرة من بروتين "Amyloid Beta"، ولكن بسبب هذا التحفيز فإن هذا البروتين يتراكم بشكل كبير في الدماغ ويشكل لويحات.
2. يقوم بتجزيء بروتين "Tau" بطريقة تجعله يتكتل ويشكل تشابكات عصبية قاتلة.
وبسبب كثرة هذه الكتل فإنها تشكل أجساماً صلبة تقتل الخلايا العصبية. ومع مرور الوقت والالتهاب مستمر؛ فمن ناحية يبقى الجسم في حالة تأهب دائمة، مما يزيد من مستويات المواد الكيميائية الالتهابية في الدم، هذه المواد يمكن أن تعبر الحاجز الدموي الدماغي وتسبب التهاباً عصبياً يؤدي تدريجياً إلى تدهور الإدراك والذاكرة.
ومن ناحية أخرى، بسبب ازدياد الالتهاب، فإن الجهاز المناعي في الدماغ (Microglia) وبسبب كثرة المنبهات والمحفزات الزائدة فإنه، وكحاولة فاشلة لإدراك الالتهابات الكثيرة، يتحول من حارس لخلايا الدماغ ومنظف من المواد السامة إلى وحش مدمر. ومن المؤسف أن الحارس نفسه يبدأ بالتأثير سلباً ويتسبب بقتل الخلايا، مما يؤدي إلى تراكم مواد أكثر فالتهاب أكثر، فتتشكل حلقة مفرغة من الالتهاب المستمر وقتل الـ Microglia لخلايا الدماغ. ومع مرور الزمن يتسبب بضمور الدماغ وفقدان الروابط المسؤولة عن الذاكرة.
والمؤسف أن فقدان الذاكرة هذا يؤدي إلى أن المريض ينسى أن يهتم بنظافة أسنانه، بالتالي زيادة بكتيريا والتهابات مستمرة وضعف وتراجع بالذاكرة أكثر فأكثر.
أهمية هذا الاكتشاف
تكمن في التعرف على مرض الزهايمر أكثر ومعرفة طرق الوقاية منه، ومهم أيضاً في اكتشاف علاجات أخرى للزهايمر. ومن أكثر الأشياء المثيرة للدهشة في آخر التجارب، والتي تبدو كأنها ثورة جديدة في العلاج، فإن آخر مثال هو:
عقار LHP588: هو دواء جديد يخضع لتجارب سريرية وليس فقط نظرية، من بداية سنة 2025 التجارب بالفعل أصبحت في المرحلة الثانية وتُعرف بتجربة SPRING.
هدف الدواء: هو "مثبط لـ Gingipains"، أي أنه لا يقتل البكتيريا فحسب، بل يمنع سمومها من تدمير خلايا الدماغ. النتائج الأولية من أجيال سابقة لهذا الدواء أظهرت تباطؤاً في التدهور المعرفي بنسبة تصل إلى 57% لدى المرضى المصابين بعدوى مؤكدة بهذه البكتيريا.
وبالنهاية، فإن آخر الدراسات الإحصائية الكبيرة أكدت أن المصابين بالتهاب اللثة المزمن لديهم خطر أعلى بضعفين للإصابة بالزهايمر مقارنة بمن لديهم لثة سليمة. وبالنهاية أود أن أبين بأن العلماء يتفقون الآن على أن الزهايمر مرض معقد له أسباب جينية وبيئية، لكن "العدوى البكتيرية القادمة من الفم" تُعتبر الآن واحدة من أهم العوامل التي يمكن التحكم فيها للوقاية من المرض أو إبطاء تطوره.
وأريد أن أسلط الضوء على أهمية صحة الفم وعلاقته بصحة الجسم، وأنه بحسب آخر إحصائية لـ (Türkiye Ağız-Diş Sağlığı Profili) بالتعاون مع كليات طب الأسنان، فإن في دراسات مثل (Saydam et al) أفادت بأن نسبة الانتشار العامة تتراوح بين 75% إلى 85% من البالغين في تركيا من شكل من أشكال أمراض اللثة (تتراوح بين التهاب اللثة البسيط إلى التهاب دواعم السن المتقدم). وتزداد الخطورة مع التقدم في السن؛ حيث تصل نسبة الإصابة بمشاكل اللثة الحادة إلى ذروتها في الفئة العمرية بين 35-44 عاماً.
وأيضاً نسبة نزيف اللثة: وجد أن أكثر من 60% من المراهقين (سن 15 عاماً) يعانون من نزيف اللثة، مما يشير إلى بداية مبكرة للمشكلة. تراكم الجير: في الفئة العمرية المتوسطة يعاني أكثر من 70% من الأفراد من وجود رواسب جيرية التي تتطلب تدخلاً طبياً للتنظيف العميق.
وحقيقةً، فإني عند بحثي بهذا الموضوع ذهلت من النسبة المرتفعة جداً، لذلك خلاصة المقال هي تبيين ضرورة الحفاظ على نظافة الفم وأسنانكم وأنها مؤثرة بشكل لا يستهان به على بقية الجسم.
وإذا كان هناك معلومة واحدة أريدكم أن تخرجوا بها من هذا المقال، فهي أن تولوا صحة فمكم وأسنانكم أقصى درجات الاهتمام، وألا تهملوها أبداً
المصادر
كلية طب الأسنان بجامعة إيجه: 2021 (المجلد 42، العدد 1). تقييم العلاقة بين مرض الزهايمر وأمراض اللثة: انتقال مسببات أمراض اللثة عبر الحاجز الدموي الدماغي.
معهد العلوم الصحية بجامعة حاجيت ببه: 2020. تقييم الحالة اللثوية والميكروبيوم الفموي لدى الأفراد المصابين بمرض الزهايمر.
جامعة إسطنبول: 2022 (مراجعة موسعة). التهاب دواعم السن والأمراض التنكسية العصبية: تأثير بكتيريا "Porphyromonas gingivalis" على الحاجز الدموي الدماغي.
نُشر في مجلة (Science Advances) بواسطة (Quince Therapeutics): مصدر تطوير الأدوية والتحديثات السريرية (2025).